صفي الرحمان مباركفوري

429

الرحيق المختوم

وعند العشاء زاد ثقل المرض ، بحيث لم يستطع الخروج إلى المسجد . قالت عائشة : فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « أصلى الناس ؟ » قلنا : لا يا رسول اللّه ، قلنا : لا يا رسول اللّه ، وهم ينتظرونك . قال : « ضعوا لي ماء في المخضب » . ففعلنا ، فاغتسل ، فذهب لينوء فأغمي عليه ، ثم أفاق ، فقال : « أصلى الناس ؟ » - ووقع ثانيا وثالثا ما وقع في المرة الأولى من الاغتسال ثم الإغماء حينما أراد أن ينوء - فأرسل إلى أبي بكر أن يصلي بالناس ، فصلى أبو بكر تلك الأيام « 1 » ؛ 17 صلاة في حياته صلى اللّه عليه وسلم . وراجعت عائشة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ثلاث أو أربع مرات ؛ ليصرف الإمامة عن أبي بكر ، حتى لا يتشاءم به الناس ، فأبى ، وقال : « إنكن صواحب يوسف . مروا أبا بكر فليصل بالناس » . قبل يوم أو يومين ويوم السبت أو الأحد وجد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في نفسه خفة ، فخرج بين رجلين لصلاة الظهر ، وأبو بكر يصلي بالناس ، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر ، فأومأ إليه بأن لا يتأخر ، قال : أجلساني إلى جنبه ، فأجلساه إلى يسار أبي بكر ، فكان أبو بكر يقتدي بصلاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ويسمع الناس التكبير « 2 » . قبل يوم وقبل يوم من الوفاة - يوم الأحد - أعتق النبيّ صلى اللّه عليه وسلم غلمانه ، وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده ، ووهب للمسلمين أسلحته ، وفي الليل استعارت عائشة الزيت للمصباح من جارتها ، وكانت درعه صلى اللّه عليه وسلم مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من الشعير . آخر يوم من الحياة روى أنس بن مالك : أن المسلمين بينا هم في صلاة الفجر يوم الاثنين - وأبو بكر يصلي بهم - لم يفجأهم إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم ، وهم في صفوف الصلاة ، ثم تبسم يضحك ، فنكص أبو بكر على عقبيه ؛ ليصل الصف ، وظن أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة . فقال أنس : وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم ، فرحا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأشار إليهم بيده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر « 3 » .

--> ( 1 ) صحيح البخاري 1 / 99 . ( 2 ) صحيح البخاري 1 / 98 ، 99 . ( 3 ) نفس المصدر ، باب مرض النبيّ صلى اللّه عليه وسلم 2 / 640 .